مسلم
هديتي لكل شاب مسلم محافظ على طاعة الله ورسوله الكريم

:: التوازن في حياة المسلم

 
إن الحمد لله؛ نحمده, ونستعينه, ونستغفره, ونتوب إليه, و أصلى وأسلم على عبده ورسوله نبينا محمد, وعلى آله, وأصحابه, ومن دعا بدعوته, واهتدى بهدية إلى يوم الدين... أما بعد,,,




المقصود بالتوازن:

هو أن تُكَوّن شخصية الإنسان المسلم تَكَوُّناً معتدلا, سليماً, بحيث لا يطغى فيها جانب على حساب جانب آخر, ولا يغفل فيها جانب بسبب الاهتمام الزائد بجوانب أخرى غيره ... ومثله التوازن في بناء المجتمع بحيث يتكون المجتمع المسلم من مجموعة من الأفراد المتوازنين الذين يلبون جميع الاحتياجات التي يحتاج إليها المجتمع المسلم. وهناك حقيقة يكاد أن يتفق عليها الناس كلهم, وخلاصتها: أن الأفراد يختلفون فيما بينهم ويتفاوتون تفاوتاً:يقل, أو يكثر, لكنه لا يغيب .. بمعنى أنك لا تجد اثنين من الناس متماثلين في كل شيء,وهذا الأمر هو لحكمة أرادها الله تبارك وتعالى؛فإن المجتمع بحاجة إلى مجموعة من الكفاءات المتفاوتة, وأي مجتمع بحاجة إلى القادة, والزعماء, وبحاجة إلى الأطباء, والعلماء, والمهندسين, وإلى الخبراء في كافة مجالات الحياة, بل وبحاجة إلى الخدم و إلى غيرهم من أصحاب الحرف والمهن العادية بل والوضيعة في نظر الناس, وبمجموع هذه الأشياء يتكون المجتمع, وهذه الحقيقة يجب أن لا تغيب عنا ونحن نتحدث عن التوازن في حياة الفرد المسلم وفي حياة المجتمع المسلم.

مجتمع فريد:

وإذا كانت هذه الحقيقة مسلمة, فإننا نطل إطلالة سريعة على ذلك المجتمع الفريد الذي تربى على يدي الرسول صلى الله عليه وسلم: مجتمع الصحابة رضى الله عنهم المجتمع الذي أراد الله أن يكون منارة مرتفعة على التاريخ يتطلع إليها الناس في كل زمان, ومكان.هذا النموذج المتمثل في مجتمع الصحابة لا نطمع أن يتحقق مرة أخرى بنفس المستوى الراقي من الإيمان والعلم والعمل, لكن نطمع أن يكون هذا المجتمع قدوة مثلى لكل مجتمع, ولكل فرد مسلم يدعو إلى الله على مدار التاريخ, ويمكن أن نكتشف بها الخطأ من الصواب في كل وضع يعيشه المسلمون لأنه كما قيل:"بضدها تتميز الأشياء". وكذلك يجب أن نقيس على هذا المجتمع الفريد كل وضع, وكل مجتمع, فنعرف مدى استقامته, أو انحرافه, ونعرف مقدار هذا الانحراف بهذا القياس, وهذه القضية المهمة نطبقها في موضوعنا: التوازن في حياة الفرد وفي حياة المجتمع.

سمات ظاهرة في مجتمع الصحابة:

حين تنظر في مجتمع الصحابة نجد:

أولاً: كل فرد منهم متحقق بقدر من العمل سواء بالعبادة, أو الدعوة, أو غير ذلك, فلا تجد أحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يغمط أو ينتقص بشيء من الإخلال بالواجبات الشرعية أو التقصير فيها إلا ما لابد من وقوعه من البشر من حوادث فردية معينة .

ثانيا: التزموا جميعا - كلهم بلا استثناء - بعقيدة واحدة صحيحة ناصعة نقية لم يأخذوها بالوراثة,ولا تجد أحدا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بقي على معتقد موروث من موروثات الجاهلية بل تمردوا عليها بالكلية وخلعوها على عتبة الإسلام وتلقوا العقيدة الصحيحة نقية صافية من فم محمد علية الصلاة والسلام, ولم يحصل أن وقع أحد منهم ببدعة اعتقادية, ولا ببدعة عملية على الإطلاق . إذاً قدر مشترك من العلم والعمل موجود لكل فرد من الأفراد في ذلك المجتمع الأول.

فإذا انتقلت إلى المجتمع بكليته وجدت أنه فيما عدا هذا القدر المشترك فإنه يوجد لكل واحد من أصحاب محمد صلى الله عيه وسلم ميزة, وخصيصة برز فيها هو وطائفة معه, وقد لا توجد في فرد أو أفراد آخرين:

فمعاذ بن جبل رضى الله عنه: [أمام العلماء يوم القيامة برتوة] كماورد عن النبي صلى الله عليه وسلم,وهو صحيح بمجموع طرقه، فكان معاذ فقيها من فقهاء الصحابة...

ومثله: عبد الله بن مسعود: فقد قال فيه عمر بن الخطابhttp://www.watein.com/ip2/html/emoticons/sad.gif ابن مسعود كنيف ملئ علماً ) فهذا معاذ, وابن مسعود, ومعهم غيرهم من الصحابة تميزوا بالعناية بالعلم, والاهتمام بالتفقه في الدين.

أما خالد بن الوليد: فلم يشتهر بحمل العلم والفقه بمثل ما اشتهر به معاذ, أو ابن مسعود, أو غيرهم من فقهاء الصحابة, وإنما أشتهر خالد بإتقان فنون الحرب, والفروسية, حتى أصبح يجد لذته, وسعادته, وقرة عينه في معاناة هذا اللون من الجهاد الذي يشق على كثير من النفوس ولذلك كان رضى الله عنه يقولhttp://www.watein.com/ip2/html/emoticons/sad.gifما ليلة تهدي إلي فيها عروس أنا لها محب, أو أبشر فيها بغلام بأحب إلي من ليلة شديدة الجليد أصبّح فيها العدو في سرية من المهاجرين) يجد من اللذة في هذا الجو الشديد البرودة المخيف مالايجده في ليلة تهدي إليه فيها عروس, أو يبشر فيها بغلام .

أبوذر الغفاري رضى الله عنه: وأبو ذر لم يعرف عنه مزيد عناية بالعلم أكثر من غيره, ولا مزيد اهتمام بشأن الجهاد أكثر من غيره, و إنما عرف بالزهد والورع, والحث على التقلل من الدنيا, والتزود للآخرة ... وتجد من الصحابة غير هؤلاء لهم اهتمامات أخرى غير ما سبق .

وهذه المزايا التي تنفرد بالتميز بها طائفة عن أخرى راجعة إلى خصائص موجودة في أصل التركيب, وأصل الفطرة عند هؤلاء القوم, فخالد: جبل على الشجاعة, وابن مسعود: منح من قوة الذاكرة, وقوة الاستنباط, والجلد في طلب العلم ما ليس عند غيره ... وهكذا .

أمور يجب مراعاتها:

ومن مجموع هذه الخصائص يتكون المجتمع المسلم, وهذا أمر لابد من مراعاته في هذه الصورة المثالية في مجتمع الصحابة: يجب أن نعمل على أن نتمثلها في واقعنا اليوم, ونحن نسعى إلى تكوين المجتمع المسلم الصحيح الذي يتأسى بمجتمع الصحابة, فندرك أنه لابد أولاً: أن يلتزم كل فرد منا بقدر معين من الخصائص والصفات, فيكون هذا القدر مشتركا بين جميع الأفراد, فكل فرد لابد أن يتعلم من العلم الشرعي ما يحتاج إليه في حياته العملية... وأن يعرف العقيدة الصحيحة- ليس عن طريق التقليد, والوراثة بل- عن طريق التلقي, ومعرفة الدليل ... وكل فرد لابد أن يلتزم بقدر من العمل, والعبادة, والقيام بما لابد منه في ذلك ... ثم بعد ذلك يتفاوت الأفراد, فيوجد منهم من يشعر بميل إلى الالتزام بطلب العلم الشرعي؛ لأنه يحس أن هذا الأمر خلق له, ويستطيع أن يبرز وينتج فيه أكثر من غيره حيث يملك أداته, فيتجه إلى هذا العلم ويحقق فيه من النتائج الشيء الكثير ... ونجد إنسانا آخر: يحس أنه يمكن أن يحقق لنفسه وللمسلمين في مجال تعلم الطب ما لم يحقق في غيره ... وثالث: يشعر إنه يمكن أن يحقق في مجال تعلم الهندسة ما لا يحقق في غيره... ورابع: تجد أنه يمكن أن يحقق في مجال تعلم صناعة من الصناعات, أو حرفة من الحرف التي لا تحصر ما لا يحقق في غير هذا المجال, فعلي الإنسان أن ينظر في المجال الذي يحس أن نفسه إليه أميل, وطبعه به أوفق, فيعمل علي التوجه إلى هذا المجال؛ لينجح فيه, ويخدم نفسه والمسلمين من خلاله ما لم يكن هذا المجال مجالاً غير مشروع .

وهذه القضية إن كان علماء التربية اليوم يتحدثون عنها إلا أننا لسنا بحاجة إلى أن ننقل كلامهم كيف ونحن نجد من نصوص علمائنا السابقين ما يغنينا عن ذلك:فهذا الإمام ابن القيم رحمه الله يقول في كتابه" أحكام المولود" وهو يتحدث عن الأطفال, وتعليمهم: "ومما ينبغي أن يعتمد: حال الصبي, وما هو مستعد له من الأعمال, ومهيأ له منها مما كان مأذونا فيه شرعا, فيعلم إنه مخلوق له فلا يحمله علي غيره" يعني أن المُرَبِّي يجب أن يتأمل حال المُرَبَّى, وما هو مهيأ له بأصل الخلقة, والطبيعة, فيوجهه إلى ذلك, ولا يحمله علي غيره, يقول:" فإنه إذا حمل علي غير ما هو مستعد له؛ لم يفلح فيه, و فاته ما هو مهيأ له, فإذا رآه حسن السمع, صحيح الإدراك, جيد الحفظ, واعيا, فهذه من علامات قبوله, وتهيؤه للعلم, وإن رآه خلاف ذلك من كل وجهة, وهو مستعد للفروسية وأسبابها: من الركوب والرمي واللعب بالرمح, وإنه لا نفاذ له في العلم, ولم يخلق له مكنّه من أسباب الفروسية, والتمرن عليها, فإنه أنفع له وللمسلمين, وإن رآه بخلاف, وإنه لم يخلق له ورأى عينه مفتوحة إلى صنعة من الصنائع, ورآه مستعداً لها, قابلا لها, وهي صنعة مباحة نافعة للناس, فيمكنه منها هذا كله بعد تعليمه ما يحتاج إليه في دينه" .

إذاً ابن القيم أشار إلى القدر الذي لابد منه لكل إنسان, وهو تعلم كل ما يحتاج إليه في دينه, ثم أشار بعد ذلك إلى أن الأولى بالإنسان أن ينظر سواء في نفسه, أو فيمن يربيه فيما هو مستعد له فطرة وخلقة, فيوجهه إلى ذلك, فإنه إن وجهه إلى غيره؛ لم يفلح فيما وجهه إليه, وخسر الشيء الذي كان مستعداً له؛ لأنه لم يشتغل به, وهذا ملمح مهم جداً في قضية التوازن, وحين ننظر إلى جانب معين من جوانب التوازن, فمثلا: جانب العلم لنفترض أنك بعد أن تأملت نفسك وفكرت في الخصائص والمواهب التي منحك الله وجدت أنك تميل إلى تعلم العلوم الشرعية وتحصيلها, وهذا لاشك مهم جداً ولا غنى للمسلمين عنه في حال من الأحوال, فحينئذ ستجد نفسك أمام عدد كبير من العلوم: أمام تعلم التفسير المتعلق بكتاب الله وكتاب الله هو أشرف الكتب وأعظمها, والمسلم بحاجة إلى معرفته قبل معرفة غيره, وهذا يدعوك إلى العناية بالتفسير, فإذا التفت من جانب آخر وجدت أن السنة تفسر القرآن, وتبين مجمله, وتقيد مطلقه, وتخصص عامه, فأنت بحاجة إذاً إلى معرفة السنة حتى تفهم القرآن فهما صحيحاً, وإذا نظرت إلى جانب ثالث: وجدت أن علم العقائد أصل, وأن كل علم قبل هذا العلم لا يكفي, وأن الإنسان إذا فسدت عقيدته لا ينفعه بعد ذلك ما حصل من العلوم... وهكذا كل علم يبدي حجته؛ تجد أنك تحكم له, وتقول: هذا العلم أولى من غيره, ولذلك تجد أن بعض الطلبة ينتقل بين هذه العلوم بطريقة فردية غير منضبطة ولا مستقرة, فهو اليوم متجه إلى تعلم التفسير, فتلقاه بعد شهر أو شهرين قد ترك الكتب التي بدأها والبرنامج الذي ألزم نفسه في تعلم التفسير واتجه إلى حفظ السنة, فتلقاه بعد سنة وقد قطع هذا العمل على نفسه, وقال: لابد أن أتعلم العقيدة, فهي أساس كل شيء فلا يكاد أن يبدأ بتعلم العقيدة حتى ينتقل منها إلى الفقه, وهو يقول: الفقه علم عملي والناس محتاجون إليه في كل حركة وكل سكنة, ولابد من تعلم هذا العلم لسد حاجة الناس... بل أعجب من ذلك أنك تجد بعض الشباب يتجه إلى طلب علم من العلوم, فيلقاه بعض من حوله, فيسأله سؤالاً يتعلق بعلم آخر, فيجد نفسه حائراً أمام هذا السؤال الذي وجه إليه لا يستطيع الإجابة عليه فهذا السؤال وهذه الحيرة أملت عليه الاتجاه إلى العلم الذي يتعلق بهذا السؤال, فإذا كان السؤال فقهياً؛ اتجه إلى الفقه؛ لأنه شعر من خلال عجزه عن الإجابة على هذا السؤال بضرورة تعلم الأحكام التفصيلية وأدلتها, فإذا بدأ وجه إليه سؤال آخر وثالث ... وهكذا, فيكون الإنسان متردداً لا يكاد أن يستقر على حال بسبب ضعف انتباه الإنسان لنفسه, وضعف ضبطه للطريقة الصحيحة التي يجب أن يتعلم بها, وبسبب عدم وجود المربى, أو الموجه الذي ينتفع الإنسان بخبرته ومعرفته في هذا المجال.

ولذلك قال علماؤنا السابقون: إن الإنسان إذا وجد في نفسه ميلا إلى علم من العلوم ينبغي عليه أن يركز في هذا العلم الذي شعر بأنه يميل إليه, ولو كان هذا العلم مفضولا, فمثلا لو وجدت في نفسك ميلاً إلى علم التاريخ, وأنك تبدع فيه أكثر من غيره, فإنك حينئذ ينبغي - بعد أن تتعلم بعض علوم الشرع التي لا بد لك منها- أن تركز على تعلم علم التاريخ, وأن تخدم الإسلام من خلال هذا العلم, فتبين مثلاً المرويات الباطلة التي دسها الرافضة, وغيرهم من أعداء الإسلام في كتب التاريخ, وشوهوا بها سيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, بل شوهوا التاريخ الإسلامي, وخاصة القرون المفضلة, فأنت مؤرخ تخدم الإسلام من خلال تمحيص التاريخ الإسلامي, ومن خلال دراستك للتاريخ دراسة صحيحة, وبيانك للصورة المشرقة التي رسمها المسلمون الأولون حتى ينسج المسلمون على منوالها, فيعرفوا التصرف الصحيح, فيمتثلون, ويعرفوا ما تبين عدم صحته فيجتنبوه, ولذلك قال الشاعر :

ومن وعى التاريخ في صدره أضاف أعمارا إلى عمره

وما يمكن أن يقال في التاريخ مثلا يمكن أن يقال في علم آخر, ولذلك قال الإمام ابن حزم في كتابه الذي سماه:" الأخلاق والسير في مداواة النفوس" :" من مال بطبعه إلى علم ما ولو كان أدنى من غيره, فلا يشغلها بسواه, فيكون كغارس النارجيل في الأندلس, وكغارس الزيتون في الهند" وهذا كله لا يثمر, فحين تغرس نوعاً من الشجر في بلد لا تصلح تربته, أو لا يصلح جوه, فإنه يموت, فتخسر الشجرة, وتخسر الجهد الذي بذلته, والوقت والأرض ... وهكذا من وجه نفسه إلى علم لا يحسنه؛ يتعب كثيراً ولا يحصل فيه إلا القليل, بل إنني أقول: إن الأمر يتعدى ذلك, فإن كثيراً ممن يسيئون إلى العلم الشرعي ويخطئون من حيث أرادوا الصواب والإحسان هم من أقحموا أنفسهم في هذه المجالات, وهم لايملكون أداتها ولا آلتها ولم يخلقوا لها, فجاءوا من الآراء والنظريات والأقوال بالشيء الغريب الذي لم يسبقوا إليه, وتجد كثيرا من الشباب خاصة في بداية الطلب, وفي غمرة الحماس قد يأتون بآراء وأقوال في منتهى الغرابة, وقد يصدر منهم أيضا من التصرفات والمواقف الشيء الكثير, ولا حاجة إلى ضرب الأمثلة لذلك, فهي معروفة لدى الكثير .

إننا حين ندرك المواهب التي وهبنا الله عز وجل إياها و الأشياء التي نستطيع أن نفلح فيها أكثر من غيرها, فإننا بذلك نوفر على أنفسنا جهداً وعناءً كبيراً, ونقدم للدين الذي نحبه ونحب أن نضحي في سبيله شيئا كثيرا, وفي نفس الوقت نكون قد تناوبنا القيام بفروض الكفايات التي أوجبها الله علينا, فإن تعلم هذه العلوم فيما عدا العلم الذي يخص الشخص هو من باب فروض الكفايات, حتى علوم الصناعات التي يحتاجها المسلمون في حياتهم العملية هو فرض كفاية, وكذلك تعلم العلوم الزائدة التي يحتاجها الناس, فإذا قام كل واحد منا بالتعرف على العلم الذي يحسنه, فوجه همه إليه, أو التعرف على الشيء الذي يناسبه- ولو لم يكن علما- ووجه همه إليه, فإنا سنجد في النهاية أننا بمجموعنا أفلحنا في تكوين مجتمع إسلامي متكامل, يتناوب أفراده القيام بفروض الكفاية, ولا يوجد فرد في غير محله, فكل فرد في موقعه الطبيعي .

ولا شك أن الإنسان قد يقول: كيف لي أن أعرف الموهبة التي يمكن أن أجيد فيها؟ وهذا فعلا لا يتحقق في كثير من الأحيان إلا بنوع من الانتباه والتجربة, ففي بعض الأحيان تكون مواهب الإنسان بارزة ومتجهة إلى شيء معين, وهذا لا إشكال فيه... لكن أحياناً أخرى تكون هذه المواهب خفيه تحتاج إلى تجربة, واستشارة, و بالتجربة, والانتباه والاستشارة يصل الإنسان إلى الموقع المناسب.

ويجب علينا أن ندرك أن الله حين قسم بيننا هذه المواهب, وهذه الملكات أراد منا أن نستثمرها في طاعته, وفيما يريده؛ ولذلك فإننا حين نضيعها نكون قد ظلمنا أنفسنا, وتعرضنا لسخط الله, أو عقابه, اقرأ قول الله: } وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (165) { سورة الأنعام

تأمل هذه الآية:}جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ { فنحن مستخلفون في هذه الأرض, ومطالبون بعمارتها. } هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا (61) {سورة هود . ومطالبون بإقامة دين الله فيها بكل

جوانبه, ودين الله لا يقوم به إلا من أحاطه بجميع جوانبه, مطالبون بجميع ذلك, ثم قال: } وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ{ إذاً: فالناس درجات متفاوتة منهم: من جمع من الفضل والخير أنواعا كثيرة, ومنهم: دون ذلك, ومنهم: الفاضل في مجال, ومنهم: الفاضل في مجال آخر, منهم: العالم, ومنهم العابد, ومنهم المجاهد... وهذه درجات متفاوتة وأنواع من الفضل: } لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ{ إذاً:هذا الفضل هو ابتلاء واختبار, من هو الذي ينجح في هذا الابتلاء, فيقوم بما أوجب الله عليه بتوجيه المواهب الفطرية توجيهاً صحيحاً يخدم الإسلام, وبالاستفادة مما اكتسبه في طاعة الله, ومن هو الذي يخفق في هذا الامتحان, فيوجه مواهبه توجيهاً غير صحيح, أو يوجه ما اكتسبه في معصية الله, أو في الإث,م أو في أشياء لا فائدة منها, ثم ختم الآية بالإشارة إلى العقاب وإلى مغفرة الله ورحمته:}إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ { وهذا دليل جلي واضح على أنه ينبغي للشاب المسلم أن يستثمر مواهبه وطاقاته في خدمة الإسلام, ويدرك أن كل طاقة عنده مهما تكن بسيطة ينبغي أن توجه توجيهاً صحيحاً …

إن من الخطأ أن يكون الشاب في بناء شخصيته متذبذباً منتقلا من طرف إلى طرف بل ينبغي له أن يرسم لنفسه منهجا متوازناً معتدلا يجمع بين العمل والعبادة والعمل ثم يحرص على البروز أكثر وأكثر في المجال الذي يحسن فيه ...وفي الختام أتوجه إلى الله تعالى وأسأله أن يوفقنا للاستفادة مما وهبنا في طاعته وأن يجعلني وإياكم ممن صرفوا جميع إمكانياتهم في سبيل الله تعالى, وأن لا يجعل حظنا هو الكلام, أو الاستماع, وأصلى وأسلم على نبينا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 15 يوليو, 2007 11:50 ص , من قبل azraqk
من الصومال

السلام عليكم اخى العزيز اشكرك على ما قدمتنا من خير وبارك الله فيك وايضا ادعوك لزيارة وانا عبدالرحمن من الصومال




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية